المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الوحدة الموضوعية في سورة الكهف


طارق مصطفى حميدة
17-Jul-2007, 11:18 AM
الوحدة الموضوعية في سورة الكهف
طارق مصطفى حميدة
‏ مركز نون للدراسات القرآنية/ فلسطين
تحدث كثيرون عن الوحدة الموضوعية في سور القرآن الكريم بعامة، ونال سورة الكهف حظ وافر ‏من الاهتمام فيما كتبه صاحب الظلال والندوي والدكتور مصطفى مسلم، وعبد الحميد طهماز، ‏وربما غيرهم أيضاً، ويرى كاتب هذه السطور أن المساهمات السابقة، على ريادتها وقيمتها الكبيرة، ‏فإنها قد تتبعت بعض المحاور البارزة في السورة ولم تتحدث عن المحور الرئيس الذي تتفرع منه ‏سائر المحاور.‏
إنه ولأجل التوصل إلى المحور الرئيس تحسن الإفادة من:‏
‏1)‏ اسم السورة.‏
‏2)‏ مطلع السورة وخاتمتها.‏
‏3)‏ ما ورد في السنة بشأنها.‏
‏4)‏ السورة السابقة والسورة اللاحقة لها. ‏
أولاً: اسم السورة:‏
‏ أخذت السورة اسمها من قصة الكهف، وهي تتحدث عن فتية من دعاة التوحيد يأمرهم الله تعالى ‏أن يأووا إلى كهف، هرباً من قومهم الذين يحاربون التوحيد ولا يقبلون من الفتية إلا العودة في ‏ملتهم أو يرجمونهم حتى الموت، ويضرب الله على آذانهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا، ثم يبعثهم ‏ويُعثر عليهم، وتنتهي القصة بأن يقرر الذين غلبوا على أمرهم أن يتخذوا عليهم مسجدا.‏
في بداية القصة موحدون مطاردون، وفي خلالها حفظ لهؤلاء وحماية من كل ما من شأنه أن يؤثر ‏فيهم؛ من الإنس والسباع والحشرات، ومن عدم الأكل والشرب، ومن الشمس التي تزاور عنهم إذا ‏طلعت وتقرضهم إذا غربت، ومن الأرض أن تأكل أجسادهم، فيقلبهم الله ذات اليمين وذات الشمال، ‏وصورة كلبهم باسطاً ذراعيه بوصيد الكهف، تعزز إيحاءات وظلال الحراسة والحماية، ثم يكون ‏انتصار الإيمان بالرغم من غياب الفتية المؤمنين بدليل بناء المسجد من قبل الفئة الغالبة.‏
الكهف: كانت وظيفته حماية الفتية، وقد انتهت القصة فإذا الدين الذي كان مهدداً مطارداً قد عادت ‏الغلبة لأهله الذين يقررون اتخاذ "مسجد" على الكهف وأصحابه، وبالتالي فقد أظهرت القصة حفظ ‏المؤمنين وحفظ الدين، بالرغم من غياب المؤمنين.‏


ثانياً: المطلع والختام: ‏
بدأت سورة الكهف بقوله تعالى:‏‎ ‏ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، قيماً ‏لينذر بأساً شديداً من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً‏.‏
وختام السورة:‏‎ ‏ قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا ‏بمثله أبداً، قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل ‏عملاً صالحاً ولا يشرك به أحداً‏.‏
في أول السورة أن الله تعالى لم يجعل لكتابه عوجا بل هو قيم، وربما وقع كثير من المفسرين في ‏خطأ القول أن الآيتين تؤكدان أن الكتاب مستقيم غير أعوج، لكن النص الكريم لم يقلhttp://www.tafsir.org/vb/images/smilies/frown.gif ولم يجعل ‏فيه عوجاً)، بل قال:‏‏ ولم يجعل له عوجا‏‏ أي ليس فيه قابلية للحرف والاعوجاج، كما ذكر في نظم ‏الدرر، وهذا شبه قوله تعالى:‏‏ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون‏، والتعبير ب:" لم يجعل" ‏إشارة إلى أن الأصل في كلمات الله تعالى وكتبه أنها غير قابلة للاعوجاج والتحريف، لكنه سبحانه، ‏لحكمة منه، أذن بأن تعبث أيدي البشر بالكتب السابقة التي استحفظها الربانيين والأحبار، فيما تعهد ‏جل شأنه بحفظ القرآن، ومعنى أن الكتاب قيّم أي مهيمن على ما سواه كاشف تحريفها، ومؤيد لما ‏بقي من الحق فيها.‏
وفي آخر السورة تأكيد لما جاء في مطلعها:‏‎ ‏ قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل ‏أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله أبداً، ويشبهه ما جاء في الحديث القدسي: ( وأنزلت عليك كتابا ‏لا يغسله الماء)(‏ ‏) ، وقوله عليه السلام في ختام الكلمات التي علّمها ابن عباس رضي الله عنهما: ( ‏رفعت الأقلام وجفت الصحف )(‏ ‏)، فضلاً عما تفيده الآية من لانهائية المعاني المستخرجة من ‏كلمات الله تعالى على امتداد الزمان والمكان، ويتأكد معنى حفظ كلمات الله خلال السورة الكريمة ‏في قوله تعالى:‏‏ لا مبدل لكلماته‏‏[ الكهف: 27].‏
وهنا يلاحظ أن مفهوم الحفظ الذي دلت عليه قصة الكهف، يؤكده مطلع السورة ومقطعها، فحفظ ‏الكتاب هو حفظ الدين، بل وحفظ المؤمنين أيضاً، كما يستفاد من قوله تعالى:‏‏ قيماً لينذر بأساً شديداً ‏من لدنه؛ فهذا الكتاب قيم ومهيمن غالب، وهو سائر بالمؤمنين إلى حيث يصبحون ذوي بأس ‏شديد، ولن يبقوا على ضعفهم البادي وقت النزول؛ وقصة ذي القرنين في أواخر السورة مثال على ‏ذلك.‏
ثالثاً: ما ورد في السنة الشريفة عن سورة الكهف:‏
روى مسلم عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالhttp://www.tafsir.org/vb/images/smilies/frown.gif من حفظ عشر آيات من أول ‏سورة الكهف عُصم من الدجال، وفي رواية، من آخر سورة الكهف)(‏ ‏). ‏
وهنا فالحديث الشريف يؤكد معنى الحفظ مرة أخرى، فالعصمة من الدجال، تعني الحفظ في أظهر ‏صوره، وهذا الحفظ ناتج من عدم انخداع المؤمنين بدجل الدجال وزيفه، لاهتدائهم بوحي الله تعالى، ‏
وتتجلى ميزة سورة الكهف لقارئها المؤمن بمضمونها في التفريق بين الذين يقعون في حبائل الدجال ‏لتوقفهم عند ما تراه الحواس، وأولئك الذين اهتدوا بوحي الله فعصمهم ونجاهم.‏
ولقد ابتدأت قصة الكهف بقوله سبحانه مخاطباً نبيه محمداً ‏‏ ( أم حسبت) لأجل تصحيح ما قد ‏يعلق بالحس والعقل من تصورات وأوهام ناتجة عن ثقلة الواقع المادي وما يظهر من قوة الباطل ‏وضعف الحق وأهله، وهنا فالله تعالى يؤكد أنه الأعلم وما يقوله هو الحق وإن بدا للحس غيره، وقد ‏ظهر بارزاً في قصة الخضر وموسى عليهما السلام كيف أن الحقيقة التي أعلمها الله تعالى للخضر ‏كانت خلاف ما ظنه موسى عليه السلام من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار، والزينة التي ‏جعلها سبحانه للدنيا، لأجل أن يتميز من يصدقون وحي الله تعالى بأنها(دنيا)، ممن يتوهمون، لوجود ‏الزينة، خلاف الحقيقة. ‏
إن حديث ابن عباس: كنت خلف النبي ‏‏ يوماً فقال: ( يا غلام ! إني‎ ‎أعلمك كلمات، احفظ الله ‏يحفظك‎ ‎، احفظ الله تجده تجاهك ، إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم‎ ‎أن الأمة ‏لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو‎ ‎اجتمعوا على أن ‏يضروك بشيء، لم يضروك بشيء إلا قد كتبه الله عليك، جفت الأقلام ورفعت الصحف)(‏ ‏)، هذا ‏الحديث في رأي الكاتب هو تلخيص أو اقتباس من المحور الرئيس لسورة الكهف.‏
وأما الأحاديث التي تربط بين سورة الكهف ويوم الجمعة، فسيأتي الحديث عنها- بإذن الله- فيما ‏بعد.‏

رابعاً: موقع سورة الكهف بين سورتي الإسراء ومريم:‏
لقد ابتدأت السورة كما خُتمت بقضية حفظ كتاب الله تعالى وكلماته، وإذ أكد مطلع السورة حفظ ‏القرآن الكريم، فقد ألمح إلى أن ما سبقه من كتب الله تعالى لم يشملها حفظ الله سبحانه، وفي ذلك، ‏إشارة إلى أنها بهذه الصورة لا تعبر عن مراد الله ولا تستحق بالتالي أن تكون مرجعاً للمؤمنين ‏خاصة وللناس على وجه العموم.‏
وإذن فالمحور الأول الذي ينبثق من حفظ الكتاب هو مرجعيته وحده، وإلغاء المرجعيات السابقة ‏بعدما حرفت الكتب؛ حيث إنه وحده كتاب الله تعالى، ولذلك جاء في السورة الكريمة:‏‏ نحن نقص ‏عليك نبأهم بالحق‏ ،ولا تستفت فيهم منهم أحداً، ومن هنا يتكرر في سورة الكهف:‏‏ قل ربي ‏أعلم بعدتهم، قل الله أعلم بما لبثوا، وينبثق عنه أيضاً انتقال الإمامة إلى محمد، الذي نزل عليه ‏هذا الكتاب المحفوظ.‏
وكانت سورة الإسراء قد أعلنت انتقال القيادة الدينية من بني إسرائيل إلى محمد ‏‏ وأمته، من خلال ‏رحلته ‏‏ إلى بيت المقدس، التي كانت مركزاً لعدد من أنبياء بني إسرائيل، بسبب الفساد، بل ‏الإفساد الكبير الذي انتهى إليه بنو إسرائيل فلم يعودوا يصلحون لحمل الرسالة والإمامة الدينية، ‏ولذلك فقد كانت إمامة رسولنا ‏‏ بالأنبياء ليلة الإسراء رمزاً آخر على استلامه وأمته لأمانة الدين.‏
وتؤكد سورة مريم المعنى ذاته بعد أن تستعرض عدداً من الأنبياء حيث تذكر أن الذين جاءوا من ‏بعدهم ضيعوا الصلاة التي هي عمود الدين ولم يحافظوا على ميراث النبوة: ‏‏ أولئك الذين أنعم الله ‏عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل ومن هدينا واجتبينا ‏إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكيا، فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا ‏الشهوات فسوف يلقون غياً‏[مريم: 58- 59 ]، ما يعني أن الراية ستنتقل إلى غيرهم.‏
وقد لفت بعض المفسرين إلى أن مغزى اتباع موسى ‏‏ للخضر كي يتعلم منه، هو أن يحذو قومه ‏حذوه فيتبعوا محمداً ‏‏.‏

التوحيد
وأبرز قضية في هذا الكتاب المحفوظ هي قضية التوحيد، ولذلك جاءت في مطلع السورة وختامها: ‏ففي المطلع حمد الله الذي أنزل على عبده الكتاب، وفي الختام تأكيد الكلام على لسان الرسول أنه ‏بشر/عبد، وأنه يوحى إليه. في البداية أن الكتاب ينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً، وفي الختام أن ‏طريق النجاة هو بالعمل الصالح، وأن لا يشرك بعبادة ربه أحداً.‏
وقد زلت أقدام الأمم السابقة بانحرافهم عن التوحيد، الذي أهم ما فيه الفصل الواضح بين مقام ‏الألوهية ومقام العبودية، ولذلك يسترعي الانتباه اشتمال مطالع السور الثلاث: الإسراء والكهف ‏ومريم، على ما يبدد الأوهام التي قد تنجم عن إكرام الله تعالى أحد عباده بالنبوة أو الإسراء أو ‏الرحمة الخاصة، بتكرار لفظة: (عبده) في كل واحدة:‏‏ سبحان الذي أسرى بعبده، ‏‏ الحمد لله ‏الذي أنزل على عبده ‎، ‏‎ ذكر رحمة ربك عبده زكريا، ثم يكون أول كلام عيسى عليه السلام ‏لقومه وهو في المهد:‏‏ إني عبد الله‏‏[ مريم ]،حتى لا يتسرب الوهم بوجود خصائص إلهية لدى ‏عيسى‏ نتيجة معجزة الولادة والكلام في المهد وما سيتبعهما من إحياء الموتى وغيرها.‏
والأمر ذاته يقال في وصف الله تعالى للخضر في قصته مع موسى عليهما السلام،( فوجدا عبداً من ‏عبادنا)، إذ لم يكتف سبحانه بالقول إنه ( عبد) وإنما أتبعها بالقول ( من عبادنا)؛ ذلك أن ما أجراه ‏سبحانه من الخوارق على يديه، وما أعلمه من الغيب الذي أخفاه حتى عن موسى‏ حتى جعله ‏يتتلمذ عليه ، كل ذلك قد يوقع في النفوس الضعيفة والعقول الخفيفة أن للخضر عليه السلام ميزة ‏على موسى، بل وأن له نسباً إلهياً، ومن هنا جاءت الآيات تبين أن الخضر مع كل ذلك لا يعدو ‏كونه عبداً، وأن ما ذُكر بشأنه لا يعطيه ميزة على سائر عباد الله تعالى ولا يخرجه عن أن يكون ‏واحداً من عدادهم، ولذلك جاء فيما روى البخاري من كلام الخضر لموسى عليهما السلام، أن عند ‏كل واحد منهما علماً علّمه الله تعالى إياه مما لم يعلمه الآخر، وكأن في اختيار مجمع البحرين مكاناً ‏لالتقاء الرجلين ما يشي بأن كلاً منهما بحر فيما علّمه الله، لا أن الخضر بحر وموسى نهر أو ‏بحيرة.‏
ولعل فيما جاء عن قرار الذين غلبوا على أمرهم أن يتخذوا مسجداً على أصحاب الكهف، ما يشير ‏إلى بدايات الشرك عند الأقوام السابقة تحذيراً لأمة محمد ‏، من مثل صنيعهم.‏

تصحيح الحسبان:‏
يلفت النظر توجيه الخطاب في مطلع قصة الكهف إلى النبي،‏ أم حسبت أن أصحاب الكهف ‏والرقيم كانوا من آياتنا عجباً، ما يعني أن القصة مسوقة في تصحيح حسبان قد يتسرب بأن الآية ‏الربانية في حفظ الإيمان وأهله فريدة من نوعها ولا سبيل إلى تكرارها، والملاحظ أنه يتكرر في ‏السورة الكريمة موضوع التصويب، وهو أمر طبيعي، وما دام هذا الكتاب كتاب الله تعالى فإنه ‏المرجع، وما يخبر به هو الحق، وإن ظهر للناس غير ذلك، فإنه لا أعلم من الله تعالى، ولذلك فقد ‏تحدث صاحب الظلال عن سورة الكهف ودورها في تصحيح الفكر والنظر والسلوك والموازين، ‏فالسورة تؤكد أن الله تعالى جعل ما على الأرض زينة لها، ما يعني أن ما يظهر على السطح ليس ‏بالضرورة هو الحقيقة، ثم يأتي التعقيب على قصة الكهف بأمر النبي ‏،‏ واصبر نفسك مع الذين ‏يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من ‏أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً، إن المظهر الخارجي ربما يوهم بأن هؤلاء ‏المؤمنين لا مستقبل لهم، وأن القوة والمستقبل مع الذين بيدهم زينة الحياة الدنيا، فتؤكد السورة أن ‏أمر هؤلاء فرط غير متماسك وأن المستقبل الحقيقي في الدنيا والآخرة هو مع هؤلاء المستضعفين ‏الذين قد لا يملأون العيون فعليه أن يصبر نفسه معهم، وألا تعدو عيناه عنهم باتجاه من أغفل الله ‏قلبه واتبع هواه وكان أمره فرطا كمثل صاحب الجنتين، الذي حسب أنه خير عند الله لكونه أكثر من ‏صاحبه مالاً وولداً، وأنه مفضل في الآخرة كمثل تفضيله في الدنيا، فجاء رد صاحبه المؤمن ثم ‏الإحاطة بثمره ليصحح له سوء فهمه وليرسخ للمؤمنين ما يجيئهم من الوحي، ويستمر الجو- جو ‏التصحيح- في قصة موسى مع الخضر بمشاهدها الثلاثة، وحتى في قصة ذي القرنين فإن القوم ‏الذين لا يكادون يفقهون قولاً حسبوا ذا القرنين كغالب الملوك في الأرض فعرضوا عليه خرجا حتى ‏يجعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج سداً.‏

التناسب بين قصص السورة
وعوداً إلى محور الحفظ الذي أبرزته بداية السورة وخاتمتها والقصة التي بها سميت السورة، ‏وحديث العصمة من الدجال، فالملاحظ أن هذا المعنى ينتظم أيضاً سائر قصص السورة الكريمة بدءاً ‏من حفظ أصحاب الكهف، ثم حفظ الرجل المؤمن أن يفتن أمام صاحب الجنتين، ثم حفظ السفينة، ‏فالوالدين المؤمنين، ثم كنز الغلامين اليتيمين، ثم حفظ القوم الذين كانوا لا يفقهون قولاً بإقامة الردم ‏الذي يحميهم من عدوان يأجوج ومأجوج، وكذلك فالبقاء هو للصالحات، وهذا الكتاب لا يغادر ‏صغيرة ولا كبيرة، ولا مبدل لكلمات الله من حيث اللفظ أو المعاني والسنن والقوانين.‏
إن قصة الكهف، التي سميت بها السورة، كانت كفصل أول في رواية، وتبعتها القصص الأخرى ‏فصولاً تالية، أو هي ملخص وتفصيله ما بعده؛ فالسورة بدأت بما يشبه واقع المسلمين في مكة من ‏المطاردة والاضطهاد، ثم أرادت تصبيرهم على ما هم فيه بطمأنتهم على أنفسهم وعلى دينهم، ‏وبلفتهم إلى أن لله تعالى حكمة عظيمة في كل أمر، وأن الأمور ليست على ظاهرها دائما، ‏والمطلوب تسليم الأمر لله تعالى، فإن الله تعالى سيرعاهم ويحفظهم حتى يتم نوره، ويصير حالهم ‏إلى حال ذي القرنين فيفتحون المشارق والمغارب بالتوحيد، واسم ذي القرنين كما هو واضح، ‏يوحي بمعاني القوة والغلبة، كأنها تؤكد لهم أنهم صائرون إلى مثل حال ذي القرنين، وهو ما أشار ‏إليه أول السورة في قوله تعالى: ‏‏ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، قيماً ‏لينذر بأساً شديداً من لدنه؛ فالله تعالى أنزل هذا الكتاب على عبده (لينذر بأساً شديداً من لدنه)، ‏والبأس الشديد يأتي من قوم أولي بأس شديد، في إشارة واضحة إلى ما سيصير إليه حال المؤمنين ‏إلى القوة بعد الضعف، وإلى الأمن بعد الخوف، وإلى التمكين بعد التخطف والمطاردة، ولعل مما ‏يفيده التعبير ب( من لدنه) أن ليس في واقع المؤمنين وقت نزول الآيات، ما يدل على قرب ‏امتلاكهم ذلك البأس، وبالتالي فهو بأس (لدنّي)، يوقن المؤمنون بالغيب أنه آت، ويستبعده الذين لا ‏يؤمنون إلا بما تلامسه حواسهم.‏
ولا يستبعد الكاتب أن الذين كانوا يسألون ويكررون السؤال عن ذي القرنين هم الصحابة الكرام في ‏مكة(‏ ‏)، وسؤالهم هو سؤال المتعجل الذي يقول متى ينتهي اضطهادنا وننتصر بالدين كما حصل مع ‏ذي القرنين؟ أو يريدون التسلي بأخبار العزة والنصر للتخفيف من الواقع الأليم، فجاءت السورة ‏وقصصها بشكل عام تدعوهم إلى الصبر وعدم الاستعجال وتطمئنهم ‏أن وعد الله حق وأن الساعة ‏آتية لا ريب فيها ‏، كما تحقق الوعد لفتية الكهف، وفي التعقيب على قصة الكهف جاء الأمر ‏للرسول الكريم:‏‎ ‏ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه..‏‎ ، وفي ‏قصة موسى والعبد الصالح يخاطب الخضر موسى ‏إنك لن تستطيع معي صبراً، ويتكرر الصبر ‏سبع مرات وبالذات في فواصل آيات القصة، والتي آخرها: ‏ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبراً، ‏ثم يأتي بعدها خبر ذي القرنين كأنما ليوحي بأن التمكين يجب أن يسبقه صبر كثير، وأن مآل الصبر ‏مع المؤمنين هو التمكين، وأن أشد ساعات الليل حلكة هي التي تسبق طلوع الفجر. ‏
‏ ثم جاءت قصة ذي القرنين "ذكراً"؛ ‏‏ سأتلو عليكم منه ذكرا‏، أي تذكيراً لهم بدورهم الرساليّ في ‏نشر التوحيد وحماية الضعفاء، جهاداً في سبيل الله تعالى والمستضعفين، كيلا يكون كل همهم ‏الخروج من الأزمة دون التفكير في المستقبل المطلوب، ومرة أخرى يأتي الحديث عن وعد الله، ‏لكن على لسان ذي القرنين، مقترناً بالحديث عن الآخرة، فالمؤمن لا ينسى في كل أحواله أنه صائر ‏إلى دار الجزاء، فيصبّره ذلك أيام الشدة، ويضبطه أيام العز والنصر فيمنع غروره وانحرافه، وقد ‏قيل لبني إسرائيل من قبل:‏‏ عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم من بعده فينظر كيف تعملون‏‏.‏
ومن التناسب بين قصص الكهف وقصص مريم تكرر الرحمة في قصص السورتين، لكن الملاحظ أن ‏الرحمة في الكهف هي رحمة الحماية والمحافظة على المؤمنين والضعفاء، والرحمة في مريم هي ‏الرحمة بالمعين على الدعوة والورثة الذين يأخذون الراية عمن سبقهم.‏
هو ما يلاحظ في الآيات التالية:‏‏ إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك ‏رحمة..‏‏[الكهف: 10 ]، ‏‏ رحمة من ربك وما فعلته عن أمري‏‏[الكهف: 82 ] كما قال الخضر ‏لموسى مؤولاً أفعاله الغريبة بأنها رحمة بالمساكين أصحاب السفينة التي يلاحقها الملك القرصان، ‏وبالوالدين اللذين قتل ابنهما كيلا يرهقهما طغياناً وكفراً، وباليتيمين إذ أقام الجدار ليحفظ لهما ‏كنزهما، ومثل ذلك قول ذي القرنين للقوم الذين لا يكادون يفقهون قولاً بعدما أقام ردما يمنع عنهم ‏عدوان يأجوج ومأجوج:‏‏ هذا رحمة من ربي‏‏[الكهف:98]. وأما الرحمة في مريم فهي رحمة ‏أصفياء الله المذكورين بمن يعينهم على الدعوة: ( ذكر رحمة ربك عبده زكريا)، و( ووهبنا له من ‏رحمتنا أخاه هارون نبياً).‏

الكهف والجمعة والخلافة
في الحديث: ( من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق)(‏ ‏)، ‏و( من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين)(‏ ‏). ‏
إن يوم الجمعة هو يوم الخلافة ، لما رواه مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ‏‏: (خيريوم طلعت ‏فيه الشمس: يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا يوم ‏الجمعة) (‏ ‏)، فالخلق للخلافة والإخراج من الجنة لتسلم الخلافة.‏
إن سورة الكهف تبين للمؤمنين الوظيفة المنوطة بهم والدور المطلوب منهم، وهو القيام بواجب ‏الخلافة وإعمار الأرض بشرع الله تعالى كما يبرز فيما قام به ذو القرنين من منع للفساد وزحف ‏نحو المشارق والمغارب لإقامة العدل ونشر الخير، بعد أن ترينا مشهداً لملك قرصان لا يشبع حتى ‏إنه ليلاحق المساكين في لقمة عيشهم.‏
ومن هنا يتبين لنا سر اجتماع المسلمين يوم الجمعة وسر خطبة الجمعة، ومن ثم سر قراءة الكهف ‏في هذا اليوم العظيم.‏

ام عزام
17-Jul-2007, 11:51 AM
أنا لاأصدق !!


ماشاء الله . الكاتب الكبير طارق مصطفى ..

حياك الله أخي الفاضل . في روضة من رياض الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ..

كثيرا هي مقالاتك .. ورائعه .. ومن المتابعات لها ..

بارك الله فيك .. وحفظك

كوثر 56
17-Jul-2007, 12:11 PM
http://www.tdwlsa.com/forums/images/usersimages/14547_1148257505.jpg

http://members.lycos.co.uk/l333l/up_ar/ar/jazak.gif

ايها الاخ الفاضل طارق مصطفى حميدة على هذا
الطرح المفسر وهذا التوضيح الرائع جعله
الله لك في ميزان حسناتك
وشرفتنا اخي بما قدمت

دمت في خير


كوثر 56